السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

رسالة ترحيب

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص السابقين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص السابقين. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 20 يونيو 2023

ما هي قصة سرقة القرَامِطَة للحَجَر الأَسْوَد ؟

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي  صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال : " نزلَ الحجرُ الأسوَدُ منَ الجنَّةِ وَهوَ أشدُّ بياضًا منَ اللَّبنِ فسَوَّدَتهُ خطايا بَني آدمَ " .... صحيح الترمذي للألباني
ملأت خطايا البشر بياض الحجر سوادا ، فهو شاهد على أصحاب الخطايا الذين أتوا بها  لبيت الله  نادمين عليها ، راجين أن يضعها المولى عن كاهلهم ، آملين رحمته و مغفرته  
** زوار البيت:
 وعندما يزور الحجيج والمعتمرين والزائرين الكعبة المشرفة يقبِّلون الحجر الأسود اقتداءا برسول الله صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ، و من لم يستطيع الوصول إليه فيسلم من بعيد ليبدأ الطواف بل ويبدأ به كل شوط من الطواف ، فلا يمر أحد على الحجر إلا قبّله أو ومسحه بيده أو  وسلّم عليه برفع يديه ، كلٌ حسب استطاعته  
** أسوأ ما شهدته الكعبة  من خطايا البشر
في أحد مواسم الحج جاء قوم بخطاياهم للحرم ، ولكن ليس لطلب المغفرة ، و إنما  ليفجروا  بها في بيت الله ، وقد كان هؤلاء هم القرامطة 
فلم تشهد الكعبة وحجرها الأسود الشريف أفجر من القرامطة حيث اجتمع رأس القرامطة في بغداد : مَنْصور الدَّيْلِمِيُ ورأس القرامطة في البحرين : أَبُو طَاهِر القَرْمَطِيُّ يملأهما غلًّا وحقدا لا مثيل له ، ولم يتجرأ مثلهم على تلك الأفاعيل من قتل ونهب في الأشهر الحرم و بجوار الكعبة المشرفة
وقد اكتملت أفعالهم القبيحة  بخلع الحجر الأسود وسرقته   من الكعبة وأخذه لبلادهم 
وقد كان ذلك في موسم الحج عام 317 هـ ، ولم يرجع للكعبة الشريفة إلا عام   393 هـ  ، فما هي القصة ؟
**  قصة سرقة القرَامِطَة للحَجَر الْأَسْوَد :
(*) القصة كما وردت في كتاب البداية والنهاية لابن كثير: 
* خرج ركب العراق وأميرهم مَنْصُور الدَّيْلَمِي فوصلوا إلى مكَّة سالمين، وتَوَافَت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شَعَرُوا إلَّا بِالقِرْمِطِي قد خرج عليهِم في جماعته يوم التَرْوِيَة، فانْتَهَب أموالَهُم واسْتَباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبو طاهر (لَعْنَه اللَّه) على باب الكعبة، والرِّجَال تُصْرَع حوله ، والسيوف تعمل في النَّاس في المسجد الحرام في الشهر الحرام فِي يَوْمِ التَّرْوِيَة ، الَّذي هُوَ مِنْ أَشْرَف الأيام ، وهو يقول: إنا الله وبالله ، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا.
فكان الناس يفرون منهم فيتعَلَّقُون بأَسْتار الكَعبة فَلَا يُجْدِي ذلك عنهم شَيْئًا.
بَلْ يُقْتَلُون وهُمْ كذلك ، ويَطُوفُون فيُقْتَلُون في الطَّوَاف ، وقد  كان بَعْض أَهْل الحَدِيث يومئِذٍ يَطُوف ، فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ أخَذَتْهُ السُّيوف، فلَمَّا وجَبَ أَنْشَد وهو كذلك :
 تَرَى الْمُحِبِّين صَرْعَى فِي دِيَارِهِمُ *** كَفِتْيَة الكَهْفِ لَا يَدْرُونَ كم لبثوا 
فلما قضى القرمطي ( لعنه الله) أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تُدفن القتلى في بئر زمزم ، ودُفن كثيراً منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام.
ويا حَبَّذا تلْك القِتْلَة وتلك الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُكَفَّنُوا وَلَمْ يصلِّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مُحْرِمُون شهداء في نفس الأمر.
* وهَدَم قُبَّة زَمْزم وأَمَر بِقَلْع باب الكَعْبَة ونَزَع كسْوَتَها عنها، وشَقَّقَها بَيْن أصْحَابه ، وأَمَرَ رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه ، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار.
فعند ذلك انكف الخبيث عن المِيزَاب، ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُقْلَعَ الحَجَر الأسود فجاءه رجل فضربه بِمُثْقَل فِي يَدِه وقال : أَيْنَ الطَّيْرُ الْأَبَابِيل ، أَيْنَ الحِجَارَة مِنْ سِجِّيل ؟ 
ثُمَّ قَلَعَ الحَجَر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم ، فمكث عِنْدَهُمْ ثِنْتَيْن وعِشْرِين سَنَة حتّى رَدُّوه 
* ولمَّا رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الأسود ، تبعه أَمِيرُ مَكَّةَ  هُوَ وأَهل بَيْتِه وجُنْدُه ، وسَألَه وتشفَّع إليه أن يردّ الحجر الأسود لِيُوضَع في مَكَانه، وبَذَلَ لَهُ جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه ، فقاتَلَهُ أَمِير مَكَّة فقَتَلَهُ القِرْمِطِيُّ وقَتَلَ أَكْثَر أهل بيته، وأهل مكة وجنده  واستمر ذاهباً إلى بلاده ومعه الحجر وأَمْوَال الحَجِيجِ
* وقد أَلْحَدَ هذَا اللَّعِين فِي المسجد الحرام إلحاداً لم يسبقه إليه أحدا ولا يلحقه فيه، وسيجازيه عَلَى ذلِك الَّذي لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يَوْثِقُ وِثَاقَهُ أَحَدٌ.
* وإنَّما حَمَلَ هؤلَاء على هذا الصنيع أنهم كفار زنَادِقَة، وقد كانوا مُمَالِئِين للفاطِمِيِّين الَّذين نَبَغُوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بِالمَهْدِي، وهو أبو مُحَمَّد عَبِيد اللَّه بن ميمون القداح
وقد كان صباغاً بسلمية، وكان يهودياً فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلَاد إفرِيقيَّة، فادَّعَى أَنَّهُ شَرِيف فاطِمِيٌّ، فصَدَّقَهُ عَلَى ذَلِك طائِفة كثيرة مِن البَرْبَر وغيرهم مِن الجَهَلَة ، وصارت له دَوْلَة ، فمَلَكَ مدينة سِجِلْمَاسَةَ، ثُمَّ ابْتَنَى مَدِينَة وسَمَّاها المَهْدِيَّة، وكان قَرار مُلْكِه بها، وكان هَؤُلَاء القَرامِطة يُرَاسِلونه ويَدْعُون إليه، ويتَرَامَوْن عَلَيْه، ويُقَال إنَّهُم إنَّما كانُوا يفعَلُون ذلك سِيَاسة ودَوْلة لَا حَقِيقَة لَهُ
* وذكر ابن الْأَثِير أَنَّ المَهْدِي هذا كتب إلى أبي طاهر يلومه على ما فعل بمكة حيث سلط الناس على الكلام فيهم، وانْكَشَفَت أسْرَارُهم الَّتي كانوا يُبْطِنُونها بما ظَهَر مِن صَنِيعِهِم هذا القَبيح، وأمَرَهُ بِرَدِّ ما أخَذَه منها، وعَوْدِهِ إلَيْها.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالسَّمْعِ والطَّاعَة، وأَنَّهُ قَدْ قَبِلَ ما أَشَار إِلَيْه مِن ذَلِك  
.... البداية والنهاية لابن كثير
===========
(*) و كما وردت  في كتاب الكامل لابن الأثير: 
 حج بالناس في هذه السَّنة مَنْصور الدَّيْلِمِيُ ، وسار بهم من بغداد إلى مكة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أَبُو طَاهِر القَرْمَطِيُّ بمَكَّة يَوْم التَّروِية ، فنهب هو وأصحابه أموال الحجاج، وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونَفَّذَه إلى هَجَر ، فخرج إليه ابن محلب، أمير مكة، في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير كفن ولا غسل، ولا صلى على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة 
........ كتاب الكامل لابن الأثير

الخميس، 13 أكتوبر 2022

اجتنِبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائثَ ... عثمان بنِ عفان رضي الله عنه يروي قصة العابد الذي أرادت إمرأة غوايته

 عن عبدالرحمن بن الحارث عن عثمانَ بنِ عفانَ قال : اجتنِبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائثَ ، إنه كان رجلٌ ممن خلا قبلَكم تعبَّدَ ، فعلِقَتهُ امرأةٌ غوِيَّةٌ ، فأرسلتْ إليه جاريتَها ، فقالتْ له : إنَّا ندعوكَ للشهادةِ ، فانطلق مع جاريتِها ، فطفِقَت كلما دخل بابًا أغلقتْهُ دونَهُ ، حتَّى أفضَى إلى امرأةٍ وضيئةٍ ، عندها غلامٌ وباطيةُ خمرٍ ، فقالت : إني والله ما دعوتُكَ للشَّهادةِ ، ولكنْ دعوتُك لتقَعَ عليَّ ، أو تشربَ من هذه الخمرةِ كأسًا ، أو تقتلَ هذا الغلامَ ، قال : فاسقيني من هذا الخمرِ كأسًا ، فسقَتْهُ كأسًا ، قال : زيدوني ، فلم يرِمْ حتَّى وقع عليها ، وقتلَ النفسَ ، فاجتنِبوا الخمرَ ، فإنها واللهِ لا يجتمعُ الإيمانُ وإدمانُ الخمرِ ، إلَّا لَيوشكُ أنْ يُخرجَ أحدُهما صاحبَهُ ! ... صحيح النسائي  للألباني


(*) ورُوي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لا تصل إليه ، فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة ، فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء . فقال : اصطناع المعروف واجب ، فقيل له : إنه ينهى عن الزنى ، فقال : هو فحش وقبيح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه ، فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر ، فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات .

* ويقول الله عز وجل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ... سورة المائدة

الاثنين، 9 أغسطس 2021

الِإسْتِثْنَاء في قول (سأفعل) أو في اليَمين والقَسَم على ما سأفعل ( بعض مواقف للأنبياء عندما لم يثتثنوا )

** الِإسْتِثْنَاء  في قول (سأفعل) أو في اليَمين والقَسَم على ما سأفعل : 
هو اقتران القول بمشيئة الله فالأصح أن نقول :إن شاء الله في أقوالنا وأيْمَاننا لأننا لانملك من أمرنا شيئا، والكون كله يتحرك بمشيئة الله ، فكيف نجرؤ على اتخاذ قرار دون الإستعانة بقدرته وقوته
*وقد أراد الله سبحانه وتعالى تنبيه النّبِيّ صلَّى الله عَلَيه وسلَّم لهذا الِاسْتِثْنَاء  في قوله تعالى: "وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ " ، فقد كان سبب نزولها: أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، وعن الروح، وعن أصحاب الكهف، فقال: " غدا أخبركم بذلك " ، ولم يقل: إن شاء الله ; فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يوما لتركه الِاسْتِثْنَاء، فشق ذلك عليه، ثم نزلت هذه الآية لتعلمه بل وتعلمنا هذا الدرس المهم ، أنه كان عليه أن يقول :  إني فاعل ذلك غدا، إن شاء الله ،ويقول ابن كثير :هذا إرشاد من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ، إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل ، أن يَرُدّ ذلك إلى مشيئة الله   عز وجل   علام الغيوب ، الذي يعلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون
*  وذكرت الأحاديث الصحيحة عن سيدنا سليمان عليه السلام أنه لم يثتثني فلم يقل : إن شاء الله ،عندما أراد أن يطوف على زوجاته ذات ليلة
فعن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النّبِيّ صلَّى الله عَلَيه وسلَّم قال: "قالَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً. كُلُّهُنّ تَأْتِي بِفَارِسٍ  يجاهد فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قل: إِنْ شاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْإِنْ شاءَ اللَّهُ. فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيْعًا ،فَلَمْ يحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ. وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ".رواه البخاري
وعن الأعْرَج:عن أبِي هُرَيْرة، عن النّبِيّ صلَّى الله عَلَيه وسلَّم قال: "قالَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فارِسًا يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: إِنْ شاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ، وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا واحِدًا، ساقِطًا إِحْدَى  شِقَّيْهِ". فقال النَّبِيُّ صلَّى الله عَلَيه وسلَّم"لَوْ قالَها لَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ".رواه البخاري
يقول البخاري :قال شُعَيْب وابْنُ أَبِي الزِّنادِ:"تِسْعِينَ".وهْوَ أَصَحُّ.
*يقول ابن الجوزي
فائدة الِاسْتِثْنَاء أن يخرج الحالف من الكَذِب إذا لم يفعل ما حَلف عليه، كقوله في قصة موسى: "سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا " الكهف، ولم يَصْبر، فسَلِمَ من الكَذِب لوجود الِاسْتِثْنَاء في حقه 
. ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح الِاسْتِثْنَاء في الطَّلاق والعِتاق، وأنه إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، وأنت حر إن شاء الله، أن ذلك يقع، وهو قول مالك ; وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقع شيء من ذلك . وأما اليمين بالله تعالى، فإن الِاسْتِثْنَاء فيها يصح، بخلاف الطلاق، وكذلك الِاسْتِثْنَاء في كل ما يكفر، كالظهار والنذر ; لأن الطلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع، وإذا علق به المشيئة علمنا وجودها، لوجود لفظ الإيقاع من جهته، بخلاف سائر الأيمان ; لأنها ليست بموجبات للحكم، وإنما تتعلق بأفعال مستقبلة . 
وقد اختلف في الوقت الذي يصح فيه الِاسْتِثْنَاء على ثلاثة أقوال: 
أحدها: أنه لا يصح الِاسْتِثْنَاء إلا موصولا بالكلام، وقد روي عن أحمد نحو هذا، وبه قال أكثر الفقهاء . 
والثاني: أنه يصح ما دام في المجلس، قاله الحسن وطاووس، وعن أحمد نحوه . 
والثالث: أنه لو استثنى بعد سَنَة جاز، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية . 
*وقال ابن جرير الطبري: الصواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يَمِينه، فيقول: إن شاء الله، ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية، فيسقط عنه الحرج، فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون الِاسْتِثْنَاء موصولا بيمينه، ومن قال: له ثنياه ولو بعد سنة، أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك   الِاسْتِثْنَاء  دون الكفارة 

الخميس، 3 ديسمبر 2020

قصة الخضر عليه السلام

هو بليا بن ملكان ابن فالغ بن شالخ  بن عامر  بن أرفخشد ابن سام بن نوح عليه السلام
ذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه: أن اسم الخضر " بليا " ويقال بليا بن ملكان ابن فالغ بن شالخ  بن عامر  بن أرفخشد ابن سام بن نوح عليه السلام... قصص الأنبياء لابن كثير
* وقيل : هو خضرون  ابن عمياييل بن اليفز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل ، ويقال هو أرميا بن حلقيا ، وقيل: إنه ابن مالك وهو أخو إلياس، قاله السدى ، وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال: الخضر : أُمُّه رومية وأبوه فارسي ... قصص الأنبياء لابن كثير
* هو الخَضْر عليه السلام ، الذي رحل إليه  موسى  عليه السلام ليُعلِّمه، وهذا هو لقبه الثابت في الصحيحين فالخَضْر هو اللقب الذي غلب عليه 
** لماذا لُقِّب الخَضْر بهذا الإسم؟
* عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّما سُمِّى الخَضْر أنَّه جَلَس على فَروَة بَيْضَاء فإذَا هِي تَهتَزَّ مِن خَلْفِه خَضْرَاء "... رواه البخاري
( قال عبد الرزاق: الفروة: الحشيش الابيض وما أشبهه يعني الهشيم اليابس ، وقال الخطابي: وقال أبو عمر: الفروة الارض البيضاء التي لا نبات فيها.
وقال غيره: هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة)
* عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّما سُمِّى الخَضْر خَضْرًا لأنَّه جَلَس على فَروَة بَيْضَاء فاهتزَّت  تَحْتَه خَضْرَاء ".. رواه الترمذي وصححه الألباني
** زمانه
* قيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين.
* وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه.
* قال ابن جرير: والصحيح أنه كان متقدما في زمن أفريدون بن اثفيان حتى أدركه موسى عليه السلام ... قصص الأنبياء لابن كثير
** قصة الخضر وموسى عليهما السلام
يقول تعالى في سورة الكهف :" فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ، قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً ،  فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي لا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً  ، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ، أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً"
* وشرح القصة في الصحيحين:
عن سعِيد بن جُبير، قال: قُلت لاِبن عَبَّاس: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ  يَزعُم أَنَّ مُوسى لَيْس بِمُوسى  بَنِي إِسرائيل، إِنَّما هو مُوسى آخَر. فقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ؛ حدّثنا  أُبَيّ بن كعْب، عن النَّبِيّ صلَّى الله عليه وسلَّم"قامَ  مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا في بَنِي إِسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فقالَ: أَنا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هو أَعْلَمُ مِنْكَ. قالَ: يا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَإِذا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ. فانْطَلَقَ وانْطَلَقَ بِفَتاهُ  يُوشَعَ بنِ نُونٍ، وَحَمَلا حُوتًا في مِكْتَلٍ، حَتَّى كانا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعا رُؤُوسَهُما وَناما ، فانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ "فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا"، وَكان لِمُوسَى وَفَتاهُ عَجَبًا، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِما وَيَوْمَهُما ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قالَ مُوسَى لِفَتاهُ: "آتِنا غَداءَنا، لقد لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا". وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جاوَزَ المَكانَ الذِي أُمِرَ بِهِ، فقالَ  لَهُ فَتاهُ: "أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ ". قالَ مُوسَى: "ذلكَ ما كُنَّا نَبْغِي  فارْتَدَّا على آثارِهِما قَصَصًا"، فَلَمَّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، إذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ   فَسَلَّمَ مُوسَى، فقالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟! فقالَ : أَنا مُوسَى. فقالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: "هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟  قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي  صَبْرًا"، يا مُوسَى إِنِّي على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ على عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ   لا أَعْلَمُهُ. قالَ: "سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فانْطَلَقا " يَمْشِيانِ على ساحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُما سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهما سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُما، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُما  بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ في البَحْرِ، فقالَ الخَضِرُ: يا مُوسَى، ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ في البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إلى لَوْحٍ مِنْ أَلْواحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فقالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها "لِتُغْرِقَ أَهْلَها   ؟! قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي  صَبْرًا؟ قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ". فَكانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيانًا. فانْطَلَقا، فَإِذا غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ مِنْ أَعْلاهُ فاقْتَلَعَ رَأسَهُ بِيَدِهِ. فقالَ مُوسَى: "أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ"؟ ، "قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟" (قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهذا أَوْكَدُ) "فانْطَلَقا حَتَّى إِذا  أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، فَوَجَدا فيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ "، قالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقامَهُ، فقالَ لَهُ مُوسَى: "لَوْ شِئتَ لاتَّخَذْتَ  عَلَيْهِ أَجْرًا، قالَ: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ"". قالَ النَّبِيُّ صلَّى الله عَلَيه وسلَّم: "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أَمْرِهِما" ... رواه البخاري
* وذكر البخاري اسم الملك الآخذ لكل سفينة غصبا فقال : هو "هدد بن بدد ، والغلام المقتول" اسمه جيسور ... تفسير القرطبي
* قوله تعالى : "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ" جاء في صحيح الحديث : "أنه طُبِعَ يَومَ طُبِعَ كافِرًا".... تفسير القرطبي
* عن أُبي بن كعب قال : قال النَّبِيُّ صلَّى الله عَلَيه وسلَّم:"إن الغلامُ الذي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ  كافِرًا ، و لو عاشَ لَأَرْهَقَ أبَويْهِ طُغيانًا و كُفَرَا" ... رواه مسلم
*  وعن ابن جبير وابن جريج أنهما بُدِلا جارية ؛ قال الكلبي فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم. 
وعن ابن جريج أيضا أن أم الغلام يوم قُتِل كانت حاملا بغلام مسلم وكان المقتول كافرا. 
وعن ابن عباس : فولدت جارية ولدت نبيا ... تفسير القرطبي
** نُبُوَّة الخَضر
اختلف العلماء في نبوة الخضر ، فقيل نبيًّا ، وقيل  وَلِيًّا وليس نَبيّ
* فلو كان وليا وليس بنَبِيّ  لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه. فلو كان غير نبي، لم يكن معصوما، ولم تكن لموسى - وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة - كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عنه، ولو أنه يمضي حقبا من الزمان، قيل ثمانين سنة.
ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه، واتبعه في صورة مستفيد منه فدل   على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُص من العلوم اللدنية والاسرار النبوية بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم، نبي بني إسرائيل الكريم... قصص الأنبياء لابن كثير
* أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام.
وهذا دليل مستقل على نبوته، وبرهان ظاهر على عصمته، لان الوَلِيّ لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده، لان خاطره ليس بواجب العصمة، إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.
ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم، علما منه بأنه إذا بلغ يكفر، ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتها له فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته، صيانة لابويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دل ذلك على نبوته، وأنه مؤيد من الله بعصمته.
وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه .... قصص الأنبياء لابن كثير
وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا.
*  لما فسَّرَ الخَضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجَلِي، قال بعد ذلك كله: " رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي " يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل  أمرٌ   أُمِرْتُ به وأُوحِى إليَّ فيه.
فدلت هذه الوجوه على نبوته.... قصص الأنبياء لابن كثير
* والآية تشهد بنُبُوَّته لأن بواطن أفعاله لا تكون إلّا بِوَحي ، وأيضا فان الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه ، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس نبي ... تفسير القرطبي
**الخلاف في وجود الخضر إلى زماننا هذا
*  الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا، فالبعض أكَّد على أنه باق إلى اليوم، معتمداً على روايات منكرة وموضوعة وليس لها أي سند صحيح 
* وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزى رحمه الله في كتابه: " عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر " للاحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبين أنها موضوعة، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها ... قصص الأنبياء لابن كثير
* وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات، ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المنادى والشيخ أبو الفرج ابن الجوزى، وقد انتصر لذلك ، وألَّف  فيه كتابا أسماه " عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر " فيحتج لهم بأشياء كثيرة 
# منها قوله: " وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ  "، فالخضر إن كان بشرا  فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح، والاصل عدمه حتى يثبت.
ولم يذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله.
# المعلوم  أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه، أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد 
# وعن الزُّهْريّ، قال: حدَّثني سالم بن عبد الله بن عُمَرَ، وأبو بَكر بن أَبي حَثْمة: أَنّ عبد اللَّه بن عمر قال: صَلَّى بنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَة، صَلاة العِشاء، في آخِر حَيَاته، فلَمّا سلَّم قام فقال: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فإنَّ علَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ منها لا يَبْقَى مِمَّنْ هو علَى ظَهْرِ الأرْضِ أَحَدٌ". قالَ ابنُ عُمَرَ: فوَهَل النَّاس في مَقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلْك، فيما يتحدَّثُون من هذه الأحَاديث، عن مِئَة سَنَة، وإنَّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَبْقَى مِمَّنْ هو اليومَ علَى ظَهْرِ الأرْضِ أَحَدٌ" يُرِيدُ بذلكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذلكَ القَرْنُ ... رواه مسلم
و عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل أو بشهر: " ما من نفسٍ مَنفُوسةٍ اليومَ ، يأتِي عليْها مِائةُ سنةٍ ، وهِيَ يومَئِذٍ حيَّةٌ "... صحيح الجامع
 وعن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله قال : سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بشَهْرٍ:" تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ؟ وإنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَأُقْسِمُ باللَّهِ ما علَى الأرْضِ مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتي عَلَيْهَا مِئَةُ سَنَةٍ". وفي رواية : بهذا الإسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: قَبْلَ مَوْتِهِ بشَهْرٍ... رواه مسلم
قال ابن الجوزى: فهذه الاحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر.
قالوا: فالخضر  إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع، فلا إشكال، وإن كان قد أدرك زمانه، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة ... قصص الأنبياء لابن كثير

الخميس، 6 أغسطس 2020

ما عَنَّفَنِي أحَد مُنْذ فارَقْتُ رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ... أبو برزة الأسلمي

 عن حماد بن زيد عن الأزرق بن قيس: قال : كُنَّا علَى شاطِئ نَهَر بالأهوَازِ، قدْ نَضَبَ عنه المَاء، فجَاءَ أبو بَرْزَة الأسلميّ علَى فَرَسٍ ، فَصَلَّى وخَلَّى فَرَسَهُ، فانْطَلَقَتِ الفَرَسُ، فتَرَكَ صَلَاتَهُ وتَبِعَهَا حتَّى أدْرَكَها، فأخَذَها ثُمَّ جاء فقَضَى صَلَاتَهُ ، وفينَا رَجُل له رَأْي ، فأقْبَل يقول: انْظُرُوا إلى هذا الشَّيْخِ ، تَرَكَ صَلَاتَهُ مِن أجلِ فَرَس ، فأقبَلَ فقال: ما عَنَّفَنِي أحَد مُنْذ فارَقْتُ رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقال: إنّ مَنْزِلي مُتَرَاخ، فلوْ صَلَّيْتُ وتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أهلِي إلى اللّيْل، وذَكَر أنّه قد صحب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فرَأَى مِن تَيْسِيرِه ... رواه البخاري
==================
فينَا رَجُل له رَأْي : قول فاسد
رَأَى مِن تَيْسِيرِه : رأى من رِفْق النبي صلى الله عليه وسلم بهم في الكثير من المواقف ماحَمَله على فِعل ذلك وإلا لم يكن يفعل هذا من تلقاء نفسه

الجمعة، 29 مايو 2020

نَبِيّ اللهِ شِيث

* هو من الأنبياء الذين لم يَرِد اسمهم في القرآن الكريم
* نَبِيّ اللهِ شِيث هو ابن سيدنا آدم عليه السلام  وقد سماه بذلك لأن الله  رزقه به بعد أن قتل قابيل اخاه  هابيل
معنى شيث هو : هبة الله ومعناة خلف عن هابيل]
* وقيل : أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى ، إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل ... تفسير القرطبي
وكان آدم يوم وُلد شيث ابن ثلاثين ومئة سنة ... تفسير القرطبي
* و نبي الله شيث هو ثانى الأنبياء  حيث ان أول الأنبياء هو سيدنا آدم عليهما السلام
وقد أُنزِلَ عليه خمسون صَحيفة
* لما حَضَرَت آدَم الوفَاة عَهِدَ الى شِيث وعَلّمَه سَاعات الليل والنهار وعبادة الخلوة في كل ساعة منها ، وصارت الرياسة بعد آدم إليه، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة ... الكامل لابن الأثير
* ذُكِر أن آدم مرض أحَد عَشر يومًا وأوصَي إلى ابنه شيث وأمَرَه أن يُخفِي عِلْمه عَن قابيل ووَلدِه لأنَّه قتل هابيل حسدًا منه له حين خصّه آدم بالعلم، فأخفى شيث وولده ما عندهم من العلم ... الكامل لابن الأثير
* قيل : إنه لم يزل مقيمًا بمكّة يحج ويعتمر إلى أن مات ، وإنه كان جمع ما أُنزِل عليه وعلى أبيه آدم من الصُّحُف وعَمِل بما فيها؛
وإنه بنى الكعبة بالحجارة والطين ... الكامل لابن الأثير
* قال ابن عباس : ولد لشيث أنوش وولد معه نفر كثير ، وإليه أوصى شيث ، ثم ولد لأنوش بن شيث ابنه قينان ، وولد معه نفر كثير ، وإليه الوصية ، وولد قينان مهلائيل ، ونفرا كثيرا معه ، وإليه الوصية ، وولد مهلائيل يرد ، وهو اليارد . ونفرا معه ، وإليه الوصية ، فولد يرد حنوخ ، وهو إدريس النبي عليه السلام  ، ونفرا معه ، وإليه الوصية ... قصص الأنبياء لابن كثير
* ومات فدفن مع أبويه بغار أي قبيس ؛ وكانت وفاته وقد أتت عليه تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة

نبي الله داود عليه السلام

هو نبي الله  داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عوينادب بن إرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ... قصص الأنبياء لابن كثير
* وهبه آدم عليه السلام 40 عاما من عمره 
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : لمَّا نزلت آيةُ الدَّينِ ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّم :" إنَّ أوَّل مَن جحدَ آدمُ ، عليه السَّلام ، أنَّ اللَّهَ لمَّا خلقَ آدمَ ، مسحَ ظَهْرَهُ فأخرج منهُ ما هوَ ذارئٌ إلى يومِ القيامةِ ، فجعلَ يعرضُ ذرِّيَّتَهُ عليهِ ، فرأى فيهم رجُلًا يزهر ، فقالَ : أي ربِّ ، مَن هذا ؟ قالَ : هوَ ابنُكَ داودُ ، قالَ : أي ربِّ ، كم عمرُهُ ؟ قالَ : ستُّونَ عامًا ، قالَ : ربِّ زد في عمرِهِ ، قالَ : لا إلَّا أن أزيدَه من عمرِكَ . وَكانَ عمرُ آدمَ ألفَ سنةٍ ، فزادَهُ أربعينَ ، فَكَتبَ عليهِ بذلِكَ كتابًا وأشهدَ عليهِ الملائِكَةَ ، فلمَّا احتُضِرَ آدمُ وأتتهُ الملائِكَةُ قالَ : إنَّهُ قد بقيَ من عُمُري أربعونَ عامًا ، فقيلَ لَهُ : إنَّكَ قد وَهَبتَها لابنِكَ داودَ . قالَ : ما فَعلتُ . فأبرزَ اللَّهُ عليهِ الكتابَ ، وأشهَدَ عليهِ الملائِكَةَ " ... عمدة التفسير لأحمد شاكر
* هو الذي تَقَدَّم من جيش طالوت القليل العدد ، وقتل جالوت مَلِك الجبابرة ،" فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ "، فكان ذلك  بداية الفتح من الله على داود ، فأحَبَّتَه بنو إسرائيل ومَالُوا إليه وإلى مُلكه عليهم ، فتَرَكه طالُوت وصار المُلك إلى داود عليه السلام 
* يقول تعالى : يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ " 
 وقد كان داود ، عليه السلام ، هو المقتدى به في ذلك الزمان ، في العَدْل وكثرة العبادة وأنواع القُرُبَات فكان خير مثال للإمام العادل الحكيم المؤمن  ، حتَّى إنَّه كان لا تمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلَّا وأهل بيته في عبادة لَيْلا ونَهاراً ، كما قال تعالى :" اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ "سبأ  .
** آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
جمع الله له بين المُلك والنُبوّة وقد كان سَابقا : المُلك يكون في سبط ، والنُبوَّة في سبط آخر ، فاجتمعا في داود  كما قال تعالى : " وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ "سورة البقرة ، أي : لولا إقامة المُلوك حكَّاما على الناس لأَكَل قويّ الناس ضَعيفهم 
* قال تعالى :" وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ" ، قوله تعالى :وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ  وَكُنَّا فَاعِلِينَ " 
ربنا سبحانه وتعالى أعطى داود مزية أن الجبال تسبِّح معه ، ومع ذلك فالجبال لا تسبِّح مع داود وحده ، ولكنها تسبِّح مع غيره أيضاً ، ولكن الميزة : أن داود كان تسبيحه يوافق تسبيحها  ... قصص الأنبياء للشعراوي  
** داود عليه السلام  يأْكُل مِنْ عَمَل يَدَيْه
كان عمل داود عليه السلام الذي يساعده في العيْش هو صناعة الدروع  من الحديد
قال تعالى : " وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"سبأ 
وقال تعالى : " وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ  فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ "الأنبياء
[ وهبه الله القدرة على تشكيل الحديد كيفما شاء ، يصنع منها دروعاً ذات نسيج معين تتيح لمن يرتديها الحماية وهو يقاتل وهي صنعة علمه الله تعالى إياها ] ... قصص الأنبياء للشعراوي 
وكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها
عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ "... رواه البخاري
** أُعطِيَ قوة في العبادة
وقال تعالى : " وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً  كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ، وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ " سورة ص
ويقول ابن عباس ومجاهد : أن الله سَخَّر الجِبال مَعَه يُسبِّحْن عند آخر النهار وأوَّله ; فقد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أَحَدًا ، بحيث إنه كان إذا تَرَنَّم بقراءة كتابه ، يقف الطير في الهواء ، يرجع بترجِيعه ويسبح بتسبيحه ، وكذلك الجبال تُجيبه ، وتسبح معه ، كلما سبَّح بُكرَة وعشيًّا 
فَقَد أُعطي داود من حُسن الصوت ما لم يُعْط أَحَد قط
* عن أبي موسى الأشعري قال : قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : " يا أبا موسى ، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود" ... رواه البخاري
* أعطاه الله القدرة على قراءة الزبور مع التدبر والترنم بمقدار ما تسرج الدواب
فعن همَّام بن مُنبّه ، عن أبي هريْرة قال : قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : " خُفِّفَ عَلَى داود القُرآن ، فكان يأْمُر بدَوَابّه فتُسْرَج ، فيَقْرأ القُرْآن قَبْل أنْ تُسْرَج ، وكان لا يأْكُل إِلَا مِنْ عَمَل يَدَيْه " ... رواه البخاري
والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله الله عليه وأوحاه إليه ، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب ، وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخَشُّع ، صلوات الله وسلامه عليه  
* قال ابن عباس ، يعني أنه  ذا قوة في العبادة والعمل الصالح ُ فكان يقوم الليل ويصوم نصف الدَّهر
فعن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أحَبُّ الصِّيَامِ إلى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كانَ يَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وأَحَبُّ الصَّلَاة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، صَلَاةُ دَاوُدَ عليه السَّلَام ، كان يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْل ، ثُمَّ يَقُومُ ، ثُمَّ يَرْقُدُ آخِرَهُ ، يَقُوم ثُلُثَ اللَّيْل بَعْدَ شَطْرِه " ، قال: قُلتُ لعَمْرِو بن دِينار: أعَمْرُو بن أَوْس كان يقول : يَقُوم ثُلُث اللَّيْل بَعْد شَطْره؟ قال: نَعَم ".. رواه مسلم
** من دعاء داود عليه السلام
* عن كعب الأحبًار قال : أن داود عليه السلام كان أوّل ما فرغ من صلاته قال : اللهم أصلح لي ديني التي جعلته عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي جعلت فيها معادي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك الخ , قال كعب : وحدثني صهيب أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصرف هذا الدعاء من صلاته ... الفتوحات الربانية لابن حجر العسقلاني
** داود عليه السلام بين القضاء والعبادة
قال تعالى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ "
 روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أن رَجُلين تداعيا إلى داود  (عليه السلام ) في بَقَر ، ادَّعى أَحَدُهما على الآخر أنه اغتصبها مِنْه ، فَأنْكَر المُدّعى عليه ، فأرجأ أمرهما إلي الليل ، فلما كان الليل ، أوحى الله إليه أن يقتل المُدعي ، فلما أصبح قال له داود : إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك ، فأنا قاتلك لا محالة فما خبرك فيما ادعيته على هذا ؟ قال : والله يا نبي الله إني لمُحِقّ فيما ادَّعَيْت عليه ، ولكني كنت اغْتَلْتُ أباه قبل هذا فقتلته . فأمر به داود فقُتل ; فعظم أمر داود في بني إسرائيل جدا ، وخضعوا له خضوعا عظيما . قال ابن عباس : فهو قوله تعالى : "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ " وقوله تعالى : وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ "، أي النبوة ، وفَصل الخطاب  هو إصابة القضاء وفِهْمه والحكم بين الناس ... قصص الأنبياء لابن كثير
* قال تعالى : " وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ " 
في تلك القصة أقاويل كثيرة مكذوبة ومذكورة في التفاسير ولكن معظمها لاتصح ولا تليق بأنبياء الله فهي من الاسرائيليات ومن المؤكد أن ليس لها سند من الصحة ، فيقول ابن كثير في قصص الأنبياء :[ وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة ، تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم ]
أما الإمام الشعراوي رحمه الله فقد أورد في تفسيره أفضل ما قيل في تلك القصة ما مُلخصه : أن الأمور التي استغفر منها نبي الله داود عليه السلام وخر ساجدا لله هي أمور ثلاثة:
الأول: أنه فزع من دخولهما عيه وهو في عبادته في محرابه ، بمعنى كيف يفزع وهو في معية الله ؟
والثاني أنه أصدر الحكم قبل أن يستمع للطرف الآخر فإتَّهم أحدهما بالظلم دون سماع الآخر
والثالث : أنه أدخل في الحكم حيثية ليس لها علاقة بالحكم ، والحيثية هي لأن لديه 99 نعجة ، فهل إن كان له أقل من ذلك يحق له أن يأخذ نعجة أخيه
* وقد اقتدى رسول الله صلى الله عليه وسلم  بنبي الله داود فسجد سجدة التلاوة لسجود داود في قوله تعالى فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ "
عن مجاهد (في سؤاله عن سجدةٍ في ص) قال: سألتُ ابن عَبَّاس: مِن أيْن سَجَدْت؟ فقال: أوَما تقرأ: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ""أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" فكان داوُد مِمَّن أُمِرَ نبِيُّكُم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَقْتَدي به، فسَجَدَها داود عليه السّلام، فسَجَدَها رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ... رواه البخاري
** القضاء بين داود وسليمان عليهما السلام
* قضية الغَنَم التي نَفَشَتْ  في الْحَرْثِ
قصة هؤلاء القوم أنه  كان لهم بستان  فدخلت فيه غَنَم قوم آخرين ، فأكلت شجره بالكلية ، فتحاكموا إلى داود عليه السلام ، فحَكَم لأصحَاب البُستانِ بقِيمَتِه ، فلمَّا خَرجُوا على سُليمان قال : بما حَكَم لكُم نبي الله ؟ فقالوا : بكذا وكذا . فقال : أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغَنَم إلَى أصحَاب البُستان ، فيستغلونها نتَاجاً ودرًّا حتى يصلح أصحاب الغَنَم بستان أولئك ويرُدُّوه إلى ما كان عليه ، ثم يتسلموا  أغنامهم . فبلغ داود عليه السلام ، ذلك فحَكَم به  ، فأثني الله تعالى عليهما  في قوله :" وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا "
* قضية المرأتيْن
وقضية أخري ذكرها النبي صلي الله عليه وسلم عن حكم النبييْن داود وسليمان وهى ما ثبتت في " الصحيحين في أبواب الأقضية"
* عن ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذَهَب بِإبْنِ إحدَاهما فقالت هذه لصَاحِبتها إنما ذَهَب بِابْنك أنت وقالت الأُخرى إنَّما ذَهَب بابنك فتَحَاكَمتا إلَى داود فقضَى به للكُبرى فخَرَجَتا على سُليمان بن دَاود عليهما السَّلام فَأخْبَرَتاه فقال ائتُونِي بالسِّكِين أشُقَّه بَيْنكما فقَالت الصُّغرى : لا ، يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصُّغرى" قال : قال أبو هريرة والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ ، ما كنا نقول إلا المدية ... رواه مسلم
** وفاته
* وأمَّا وَفَاته  عليه السلام ، فقال الإمام أحمد في " مسنده " : حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان داود النبي فيه غيرة شديدة ، وكان إذا خرج أغلقت الأبواب ، فلم يدخل على أهله أَحَد حتى يرجع ، قال : فخرج ذات يوم وغلقت الدار ، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار ، فإذا رجل قائم وسط الدار ، فقالت لمَن في البيت : من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة ؟ والله لتفتضحن بداود . فجاء داود ، فإذا الرجل قائم وسط الدار ، فقال له داود : من أنت ؟ قال : أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يمتنع مني شيء ، فقال داود : أنت والله ملك الموت ، فمرحبا بأمر الله . فرمل داود مكانه حيث قُبِضَت رُوحه ، حتى فرغ من شأنه ، وطلعت عليه الشمس ، فقال سليمان للطير : أظلي على داود . فأظلته الطير حتى أظلمت عليهما الأرض ، فقال لها سليمان : اقبضي جناحا جناحا " قال أبو هريرة : يرينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فعلت الطير . وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، وغلبت عليه يومئذ المضرحية " ... البداية والنهاية لابن كثير وقال إسناده جيد قوي ; رجاله ثقات
ومعنى قوله : وغلبت عليه يومئذ المضرحية  أي : وغلبت على التظليل عليه المضرحية ، وهي الصُّقور الطُّوال الأجنحة 

اذهب لأعلى الصفحة