السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

رسالة ترحيب

الأحد، 16 يونيو 2019

يَحِقُّ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مَوْرِدُهُ ... الحَسَن البَصْرِيّ

ذَكَر أبو مَرْوان بِشْرُ الرِّحَال ، عنِ الحَسَن ، قال : " يَحِقُّ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مَوْرِدُهُ وَأَنَّ السَّاعَةَ مَوْعِدُهُ ، وَأَنَّ الْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْهَدُهُ ، أَنْ يَطُولَ حَزَنُهُ " حلية الأولياء

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ ... سورة آل عمران

**ورد عند الواحدي
قوله تعالى :"الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ..." الآية 
(*) قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن تابوه ، وفنحاص بن عازورا ، وحُيي بن أخطب ، أتوا رسول الله   صلى الله عليه وسلم   فقالوا : تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا ، وأنزل عليك كتابا ، وأن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدقناك . فأنزل الله تعالى هذه الآية . 
**وورد عند القرطبي
الآية :"الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"
(*) قال الكلبي وغيره. نزلت في كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عازوراء وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقالوا له : أتزعُم أن الله أرسلك إلينا ، وإنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئنا به صدقناك. فأنزل الله هذه الآية. 
فقيل : كان هذا في التوراة ، ولكن كان تمام الكلام : حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان.
وقيل : كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى ابن مريم. وكان النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها ، فتأكل القربان. فكان هذا القول دعوى من اليهود ؛ إذ كان ثم استثناء فأخفوه ، أو نسخ ، فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين ، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في إبطال دعواهم ، وكذلك معجزات عيسى ؛ ومن وجب صِدقه وَجَب تصدِيقه. ثم قال تعالى : إقامة للحجة عليهم. "قُلْ" يا محمد "قَدْ جَاءَكُمْ" يا معشر اليهود "رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ" من القربان "فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" يعني زكريا ويحيى وشعيا ، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم. أراد بذلك أسلافهم. 

السبت، 15 يونيو 2019

إِنَّ الْبُكَاءَ دَاعٍ إِلَى الرَّحْمَةِ ...الحَسَن البَصْرِيّ

عن حَمزة الأَعْمى ، قال : ذَهَبت أُمِّي إِلى الحَسَن ، فقالت : يا أَبَا سَعيد ! ابْنِي هَذَا قَدْ أَحْبَبْتُ أن يلْزمَكَ ، فلَعَلَّ اللَّهَ أَن ينْفَعهُ بك 
فيقول حَمزة الأَعْمى : وكُنتُ أَدخُل عَليه مَنْزِله وهو يَبْكِي ، وآتِيه مع النَّاس وهو يَبكِي ، ورُبّما جِئْتُ وهو يُصَلِّي , فأَسْمَع بُكَاءه ونَحِيبه , فقُلْتُ لَه يُومًا : يا أبا سعيد ! إنّكَ لَتُكثِر مِن الْبُكَاء ! فبَكَى ثُمّ قال : " يَا بُنَيَّ ! فَمَا يَصْنَعُ الْمُؤْمِنُ إِذَا لَمْ يَبْكِ ؟ يَا بُنَيَّ ! إِنَّ الْبُكَاءَ دَاعٍ إِلَى الرَّحْمَةِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَكُونَ عُمْرَكَ إِلا بَاكِيًا فَافْعَلْ ، لَعَلَّهُ يَرَاكَ عَلَى حَالَةٍ , فَيَرْحَمَكَ بِهَا ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ نَجَوْتَ مِنَ النَّارِ ... كتاب الرقة والبكاء

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... سورة آل عمران


**ورد عند الواحدى
 (*)قال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق : دخل أبو بكر الصديق  رضي الله عنه  ذات يوم بيت مدراس اليهود، فوجد ناسا من اليهود قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له: فنحاص بن عازورا، وكان من علمائهم، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، فآمن وصدق، وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة، ويضاعف لك الثواب
فقال فنحاص: يا أبا بكر ، تزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنيا ما استقرضنا أموالنا
فغضب أبو بكر  رضي الله عنه   وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله
فذهب فنحاص إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: يا محمد انظر إلى ما صنع بي صاحبك؟ 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر: "ما الذي حَمَلكَ علَى ما صنعت؟"
فقال : يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وأنهم [ عنه ] أغنياء، فغضبت لله وضربت وجهه .. فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله عز وجل ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر: "لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ "
(*)وعن مجاهد قال: نزلت في اليهود، صك أبو بكر  رضي الله عنه  وجه رجل منهم، وهو الذي  قال: إن الله فقير ونحن أغنياء. 
قال شبل : بلغني أنه فنحاص اليهودي ، وهو الذي قال :( يد الله مغلولة ) . 
** وورد عند القرطبى
(*)وقال أهل التَّفسير : لمَّا أَنزل اللَّه :"مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا" قال قوْم مِن اليَهود (منهم حُيَيّ بن أَخطَب ; فِي قَول الحَسَن . وقال عكرمة وغَيره : هو فِنْحَاص بن عَازورَاء ): إِنَّ اللَّه فَقِير ونحن أغنيَاء يَقتَرِض مِنَّا
وإِنَّما قالوا هذا تَمويهًا عَلَى ضُعَفَائهم، لا أَنَّهُم يَعتَقدُون هذا; لأَنَّهُم أهل كتاب. ولكِنَّهم كَفرُوا بِهذا القَوْل; لأَنّهُم أرَادُوا تَشْكِيك الضُّعَفاء مِنهُم ومِن المُؤمِنِين، وتَكْذِيب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم. أَي إنَّه فَقير عَلَى قَوْل مُحمَّد صلى الله عليه وسلم; لأَنَّه اقتَرَض منَّا 

وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... سورة آل عمران

**ورد عند الواحدي
قوله تعالى : " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ..." الآية 
(*) أجمع    جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة . 
(*) وروى عطية   العوفي   عن ابن عباس : أن الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد    صلى الله عليه وسلم   ونبوَّته ، وأراد بالبخل : كِتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى . 
**وورد عند القرطبي
الآية : "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"
(*)  وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله ، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله : "وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ..." سورة التوبة 
 ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين ، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسدي والشعبي قالوا : ومعنى "سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ" هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال : "مَن آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَه مُثِّلَ له يوم القيَامَة شُجَاعًا أقْرَعَ له زَبِيبَتَان يُطَوَّقُه يوم القِيَامَة، ثُمّ يَأخُذ بلِهْزِمَتَيْه  ثم يقول ثُمّ يقول أنا مَالُكَ أنا كَنْزُكَ - ثم تلا هذه الآية "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ..." الآية". أخرجه النسائي. 
وخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحدٍ لا يؤدِّي زكاةَ مالِه إلَّا مُثِّل له يومَ القيامةِ شجاع أقرعَ حتَّى يُطوَّقَ به عنقُه " ثمَّ قرأ علينا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مصداقَه من كتابِ اللهِ تعالى : "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ..."الآية. " 
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه" .
(*) وقال ابن عباس أيضا : إنما نزلت في أهل الكتاب وبُخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل العلم. 
**وورد عند الطبري
محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ " ، هم الذين آتاهم الله من فضله ، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله ، ولم يؤدوا زكاتها . 
(*) وقال آخرون : بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنزل الله في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته . 
(*) عن ابن عباس قوله : "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  " إلى" سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، يعني بذلك أهل الكتاب ، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس . 
(*) عن مجاهد قوله : " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، قال : هم يهود ، إلى قوله : "وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ " 
(*) وأوْلى التأويلين بتأويل هذه الآية ، التأويل الأول ، وهو أنه معني ب"البخل" في هذا الموضع ، منع الزكاة 

الجمعة، 14 يونيو 2019

مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... سورة آل عمران

**ورد عند الواحدي
(*) قال السُّدِّيّ : قال رسول اللَّه  صلَّى اللَّه علَيه وسلَّم: عُرِضَت عَلَيَّ أُمَّتي في صُوَرِهَا كما عُرِضَت عَلَى آدَم ، وأُعْلِمْتُ مَن يؤْمِن بِي ومَن يكفر
 فبَلَغ ذلِك المنَافِقين، فاستَهزَءُوا وقالُوا: يزعُم مُحمّد أَنَّه يعلم مَن يُؤْمِن به ومَن يَكفر ، ونَحن مَعه ولا يَعْرفُنَا. . فأَنزل اللَّه تعالى هَذِه الآية
(*) وقال الكَلبِيّ: قالت قُريش: تَزْعُم يا مُحمّد أَنّ مَن خَالَفَك فهُو في النَّار واللَّهُ عَليْه غَضْبان، وأَنّ مَن اتَّبَعَك عَلَى دِينِك فَهُو من أهل الجنَّة واللَّه عَنه رَاضٍ، فأَخبِرْنَا بِمَن يُؤْمِن بِك ومَن لَا يُؤمن بِك، فَأَنزل اللَّه تعالى هَذه الآية
 (*)وقال أَبُو العَالِية : سَأَل المؤمنُون أَن يُعطُوا عَلَامة يُفَرِّقُون بها بَيْن المؤمن والمُنافق فَأنزل اللَّه تَعَالى هذه الآيَة
ورد عند القرطبى
(*)قال أبو العالية : سَأَل المؤمنون أَن يُعطوْا عَلَامة يُفَرِّقُون بها بَين المُؤمن والمنافِق ; فأَنزل اللَّه عزّ وجلَّ :"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ "الآية
 واخْتلفُوا مَنِ المُخَاطَب بالآية عَلَى أَقوال
قيل : هُو خِطَاب لِلمُشركين                 
والمُراد بالمؤمِنِين في قوله : "لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ" هم  مَن في الأصلَاب والأَرحام مِمَّن يُؤمن
أَي ما كان اللَّه لِيَذَر أولَادكُم الَّذين حَكَم لهم بالإِيمَان عَلَى ما أنتُم عَليه مِن الشِّرك، حتَّى يُفرِّق بَينكُم وَبَيْنَهُمْ; وَعَلَى هذا وما كان اللَّه لِيُطلعَكُم كَلَام مُستأنَف. وهُو قَول ابن عبَّاس وأكثَر المُفسِّرِين
وقيل : الخِطَاب للمُؤمنِين
أَي وما كان اللَّه ليَذَركم يا مَعشر المؤمِنين عَلَى ما أنتم عليْه مِن اختلَاط المؤمِن بالمنَافق، حتَّى يُميِّز بَينكم بالمِحْنَة والتَّكليف; فَتَعْرِفوا المُنافق الخَبِيث، والمؤْمن الطّيِّب. وقد مَيَّز يوم أُحُد بيْن الفريقيْن

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ... سورة آل عمران

**ورد عند الواحدي
قوله تعالى : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ..." الآية. 
(*) عن سعيد عن قتادة قال : ذاك يوم أُحُد بعد القتل والجراحة وبعدما انصرف المشركون : أبو سفيان وأصحابه ، قال نبي الله   صلى الله عليه وسلم  لأصحابه : ألا عصابة تشدد لأمر الله فتطلب عدُوَّها ، فإنه أنكى للعدو ، وأبعد للسمع ؟ فانطلق عصابة على ما يعلم الله تعالى من الجهد ، حتى إذا كانوا بذي الحُليفة جعل الأعراب والناس يأتون عليهم ، فيقولون : هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس ، فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فأنزل الله تعالى فيهم قوله:الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ " إلى قوله تعالى: " وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ " . 
**وورد عند القرطبي
الآية :"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"
(*) اختلف في قوله تعالى : "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ" فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبّي : هو نعيم بن مسعود الأشجعّي. 
 وقال ابن إسحاق وجماعة : يريد الناس ركب عبد القيس ، مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم. 
وقيل : الناس هنا المنافقون. 
(*) قال السدي : لما تجهز النبّي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى بدر الصُّغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا ، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا ؛ فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد. فقالوا : "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ "
(*) وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا : " قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ" جموعا كثيرة "فَاخْشَوْهُمْ " أي فخافوهم واحذروهم ؛ فإنه لا طاقة لكم بهم. فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع. والله أعلم.
(*) روى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى : "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ" إلى قوله : "وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين أُلقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم. والله أعلم.
**وورد عند الطبري
اختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ "
(*) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : مر به (يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم ) مَعبد الخُزاعيّ بحمراء الأسد وكانت خزاعة ، مسلمهم ومشركهم ، عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتُهامة ، صَفقتُهم معه ، لا يُخفُون عليه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك فقال : والله يا محمد ، أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم! 
ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحَاء ، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا : أصبنا! حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟! لِنَكُرَّنَ على بقيتهم ، فلنفرُغَنّ منهم  . 
فلما رأى أبو سفيان معبدا ، قال : ما وراءك يا معبد؟ قال : محمد ، قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتَحرَّقُون عليكم تحَرُّقَاً ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، ونَدموا على ما صنعوا ، فيهم من الحِنق عليكم شيء لم أر مثله قط! . قال : ويلك! ما تقول؟ قال : والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل! قال : فوالله لقد أجمعنا الكَرَّة عليهم لنستأصل بقيَّتهم! قال : فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر! قال : وما قلت؟ قال : قلت : 
كادت تهد من الأصوات راحلتي      إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردي بأسد كرام لا تنابلة               عند اللقاء ولا خرق معازيل 
فظلت عدوا ، أظن الأرض مائلة     لما سموا برئيس غير مخذول  
فقلت : ويل ابن حرب من لقائكم      إذا تغطمطت البطحاء بالخيل  
إني نذير لأهل البسل ضاحية          لكل ذي إربة منهم ومعقول    
من جيش أحمد لا وخش قنابله        وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه . 
ومر به رَكْب من عبد القَيْس . فقال : أين تريدون؟ قالوا : نريد المدينة . قال : ولم؟ قالوا : نريد الميرة . قال : فهل  أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها ، وأُحمِّل لكم إِبِلَكُم هذه غداً زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا : نعم . قال : فإذا جئتموه فأخبروه أنَّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيَّتهم! فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد ، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه : "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" . 
(*) عن السدي قال : لما ندموا يعني أبا سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا :  ارجِعُوا فاستأصِلوهم  ، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب فهزموا ، فلقوا أعرابيا فجعلوا له جُعلا فقالوا له : إن لقيت محمدا وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم! فأخبر الله جل ثناؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد ، فلقوا الأعرابي في الطريق ، فأخبرهم الخبر ، فقالوا : "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"! ثم رجعوا من حمراء الأسد . فأنزل الله تعالى فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" .
(*) عن ابن عباس قال : استقبل أبو سفيان في مُنصرِفِه من أُحُد عِيراً واردة المدينة ببضاعة لهم ، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم حِبال ، فقال : إن لكم عَلَيَّ رِضاكم إن أنتم رَدَدتُم عنِّي محمدا ومن معه ، إن أنتم وجدتموه في طَلَبي ، وأخبرتموه أني قد جمعت له جموعا كثيرة . 
فاستقبلت العِير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعا كثيرة ، وأنه مُقبل إلى المدينة ، وإن شئت أن ترجع فافعل! فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينا ، وقالوا : " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " . فأنزل الله تبارك وتعالى : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... " الآية . 
(*) عن قتادة قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أُحُد خلفهم ، حتى كانوا بذي الحليفة ، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم فيقولون لهم : هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس! فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل  . فأنزل الله تعالى فيهم : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " . 
(*) قال آخرون : بل قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قال ذلك له ، في غزوة بدر الصغرى ، وذلك في مسير النبي صلى الله عليه وسلم عام قابل من وقعة أُحُد للقاء عدوه أبي سفيان وأصحابه ، للموعد الذي كان واعده الالتقاء بها . 
(*) عن مجاهد في قوله :" الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ" 
قال : هذا أبو سفيان قال لمحمد :  موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا  ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : "عسى"! فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدرا ، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا ، فذلك قوله تبارك وتعالى : "فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ  " ، وهي غزوة بدر الصُّغرى . 
(*) قال ابن جريج : لمَّا عبَّى النبي صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقَوْن المشركين ويسألونهم عن قريش ، فيقولون :قد جمعوا لكم ! يكيدونهم بذلك ، يريدون أن يُرعِبوهم ، فيقول المؤمنون :  حسبنا الله ونعم الوكيل  ، حتى قَدِموا بَدرا ، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد . قال : وقدم رجل من المشركين وأخبر أهل مكة بخَيْل محمد عليه السلام ،
(*) عن عكرمة قال : كانت بَدر متجرا في الجاهلية ، فخرج ناس من المسلمين يريدونه ، ولقيهم ناس من المشركين فقالوا لهم :   إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم  ! فأما الجبان فرجع ، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة ، وقالوا :  حسبنا الله ونعم الوكيل ! فأتوهم فلم يلقوا أَحَداً ، فأنزل الله عز وجل فيهم : "  إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ..." 
(*) عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو قال : هي كلمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أُلقِيَ في النار ، فقال : "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" . 
(*) قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قول من قال : إن الذي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن "الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم" ، كان في حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروج من خرج معه في أَثَر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش ، منصرفهم عن أُحُد إلى حمراء الأسد " . 
لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم : "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" ، لما قيل لهم : "  الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... " ، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله : " الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ... " ، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جَرْحَى أصحابه بأُحُد إلى حمراء الأسد . 
وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصُّغرى ، فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمه . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها ، لموعد أبي سفيان الذي كان واعده اللقاء بها 

اذهب لأعلى الصفحة